السيد كمال الحيدري

37

شرح كتاب المنطق

هذا النزاع بينهم أن قالوا : ( لو قلنا إنّ الوجود موجود ) يلزم تالٍ باطل ، لا يمكن الالتزام به . وعلى هذا نقول : الوجود ليس بموجود . ولكي يتّضح هذا الإشكال ، لابدّ من تقديم مقدّمة ، وهي : عندما تقول الجدار أبيض ، معناه عندك جدار وصفة ثابتة محمولة عليه ( وهي البياض ) حمل اشتقاق لا مواطاة ، كما وقفت عليه في الجزء الأوّل . فالجدار ذات ، والأبيض يحمل على تلك الذات ، وأحدهما غير الآخر ، ولذا عندما عرّفوا المشتقّ ، كالقائم والناطق والجالس والنائم والآكل والأبيض ونحوها من المشتقّات ، قالوا : المشتقّ ذاتٌ ثبت لها صفة من الصفات . مثلًا قولك : هذا ناطق أو آكل أو أبيض ، معناه : هذا شيء ثبت له النطق ، أو ثبت له الأكل ، أو ثبت له البياض . فالمشتقّ هو ذات ثبت لها المبدأ . وممّا لا شكّ فيه أنّ ) الموجود ( مشتقّ ، ومعناه شيء ثبت له الوجود ، والشيء قبل أن نثبت له صفة الوجود هو موجود ، ومعناه شيء ثبت له الوجود ، فننقل الكلام إلى الشيء الثاني ، فنقول : هو موجود ومعناه شيء ثبت له الوجود . . . وهكذا يتسلسل إلى ما لا نهاية ، وهو باطل . وعلى هذا فإذا قلنا : ) الوجود موجود ( يلزم منه التسلسل ، فلابدّ أن نقول : ليس بموجود ؛ لنتخلّص من محذور التسلسل . ومن هنا ذهب جملة من الحكماء ، ومنهم شيخ الإشراق السهروردي ، إلى أنّ المتحقّق في الخارج ليس هو الوجود ، وإنّما هو الماهية ، وبهذا تكون أصيلة ، أي تكون منشأ للآثار التي نراها تترتّب على الواقعيات ، دون الوجود الذي لا تحقّق له ، ومن ثمَّ فلا يكون منشأ للآثار . فالإحراق ، والحرارة ، والتسويد التي نراها تترتّب على النار الخارجية ما هي إلّا آثار لماهية النار لا لوجودها ؛ لأنّه لو كان الوجود هو المتحقّق في الخارج للزم منه التسلسل لا إلى نهاية ، وهو محال . وإذن فالحقّ مع القائلين بأصالة الماهية لا مع القائلين بأصالة الوجود !